الجاحظ
279
رسائل الجاحظ
فصل منه : والأعجوبة في آدم عليه السلام أبدع ، وتربيته أكرم ، ومنقلبه أعلى وأشرف إذ كانت السماء داره ، والجنة منزله ، والملائكة خدامه . بل هو المقدم بالسجود ، والسجود أشد الخضوع . وإن كان بحسن التعليم والتثقيف ، فمن كان اللّه تعالى يخاطبه ، ويتولى مناجاته دون أن يرسل إليه ملائكته ويبعث إليه رسله ، أقرب منزلة ، وأشرف مرتبة ، وأحق بشرف التأديب وفضيلة التعليم . وكان اللّه تعالى يكلم آدم كما كان يكلم ملائكته ، ثم علمه الأسماء كلها ، ولم يكن ليعلمه الأسماء كلها إلا بالمعاني كلها ، فإذا [ كان ] ذلك كذلك فقد علمه جميع مصالحه ومصالح ولده ، وتلك نهاية طباع الآدميين ، ومبلغ قوى المخلوقين . [ 27 - الرد على النصارى حول فقر اللّه ] فصل منه : فأما قولهم إنا نقول على الناس ما لا يعرفونه ، ولا يجوز أن يدينوا به ، وهو قولنا إن اليهود قالت : إن اللّه تعالى فقير ونحن أغنياء . وأنها قالت : إن يد اللّه مغلولة ، وإنها قالت : إن عزيرا ابن اللّه ، وهم مع اختلافهم وكثرة عددهم ، ينكرون ذلك ويأبونه أشد الإباء . قلنا لهم : إن اليهود لعنهم اللّه تعالى كانت تطعن على القرآن ، وتلتمس نقضه ، وتطلب عيبه ، وتخطئ فيه صاحبه وتأتيه من كل وجه ، وترصده بكل حيلة ، ليلتبس على الضعفاء . ، وتستميل قلوب الأغبياء . فلما سمعت قول اللّه تعالى لعباده الذين أعطاهم ، قرضا وسألهم قرضا على التضعيف ، فقال عز من قائل : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ . قالت اليهود على وجه الطعن والعيب والتخطئة والتعنت : تزعم أن اللّه يستقرض منا ، وما استقرض منا إلا لفقره وغنانا ! فكفرت بذلك القول إذ كان على وجه التكذيب والتخطئة ، لا على وجه أن دينها كان في الأصل أن اللّه فقير ، وأن عباده أغنياء . وكيف يعتقد إنسان أن اللّه عاجز عما يقدر عليه ، مع إقراره بأنه الذي خلقه ورزقه ، وإن شاء حرمه ، وإن شاء عذبه ، إن شاء عفا